وقفة مع مسرحية "طٌرّة ونَقشة" لمسرح "النقاب"
مراجعات نقدية

وقفة مع مسرحية "طٌرّة ونَقشة" لمسرح "النقاب"

7 مايو 2026 5 دقائق

ويطرح السؤال: كيف يُجند مسرح "النقاب" هذا الجمهور العريض لحضور أعماله؟ الجواب هو: من الطبيعي ان يتجاوب الجمهور مع العمل عندما يصاغ النص الذي يحاكي مشاعره ويعبر عن تطلعاته بحبكة فنية راقية.

وقفة مع مسرحية "طٌرّة ونَقشة" لمسرح "النقاب"

هادي زاهر

 

طٌرّة ونَقشة هو العمل الفني الأخير الذي قدمه مسرح "النقاب" على خشبته، وهو كما عرفه القيمون على المسرح عبارة عن كاباريه ساخر من ستة فصول، من تأليف منعم منصور ومن اخراج صالح عزام، وهذا النوع من المسرح هو أسلوب متبع في المغرب العربي وفي الدول الأوروبية، يأتي بدون الكثير من التقنيات مع ديكور خفيف وذلك لتمكين الممثلين من عرض المسرحية في كل مكان، و"الكاباريه" كلمة مشتقة من اللغة الاسبانية معناها " حفلة سمر" وهي تعني باللغة الفرنسية " مقصف" وهو في الأساس برنامج ترفيهي مرتجل لعرض الأغاني اللاذعة والرقصات و"السكتشات" والمشاهد الهزلية والمقاطع الهجائية، وبما أن مجتمعنا العربي يتحول تدريجيا إلى مجتمع مدني فقد أضحىهذا الأسلوب يتلاءم مع مجتمعنا وهو يعتبر تجديدًا في وسطنا الفني المحلي. النص كان رائعا وشاملًا مع بعض التحفظات التي سآتي على نماذج منها لاحقًا، ويعود ذلك إلى الوعي الشمولي لكاتب النص منعم منصور وهو أستاذ ثانوي متقاعد.

فنان وشاعر شعبي، يستعرض معظم قضايانا المعيشية، مطعمًا المشاهد بالأغاني النقدية التي جاءت بروح كوميدية، تداخلت بشكل جيد مع النسيج الدرامي للنص مما أضفى جمالية فنية أخرى على المسرحية، ومن ضمن ما انتقده "القائمة المشتركة" وهناك ما يؤخذ على هذه القائمة ولكن هل يعلم السيد منعم بان "3" أعضاء كنيست من هذه القائمة كانوا من افضل "10 " أعضاء كنيست على صعيد تقديم القضايا الاجتماعية وذلك حسب تقرير الكنيست نفسه، وهذا مغاير لما تنشره السلطات وزعانفها في المجتمع العربي، من أن أعضاء الكنيست العرب يهملون قضايا المواطنين العرب في البلاد ويهتمون بالقضية الفلسطينية، ومن قال ان الاهتمام بالقضية الفلسطينية يعيبهم، عضو الكنيست يجب ان يكون له رؤية شمولية حول كل القضايا الإنسانية، يجب ان يهتم بقضايا شعبه وقضايا الإنسانية جمعاء.. يجب ان يثيره ما يجري من حروب واعتداء على المستضعفين في كل مكان.. يجب أن يحارب الرأسمالية الشرسة التي تجيز لنفسها أن تبطش بخيرات البشر. وليس بالضرورة أن يأتي هذا على حساب ذاك.

قام الفنان منعم منصور بأداء دور المرشح لرئاسة السلطة المحلية، وقف طويلا عند الوعود التي يطلقها المرشح، والشعارات التضليلية التي يستعملها لاستمالة الناس من أجل دعمه، والتي منها دعمه لحق المرأة في أن تتولى المناصب المختلفة، ولعل المواطن العربي في بلادنا سيعتقد حيث تمثل المسرحية بانه يعني رئيس السلطة المحلية في بلده تحديدًا، وهنا تكمن قوة النص الصائب لكبد حقيقة الواقع الذي نعيشه، خاصة وان هذا الواقع قد لا يختلف من قرية عربية أو مدينة إلى أخرى؟! ان هذا ما يثبت ما كان قد قاله رئيس مجلس دالية الكرمل السيد رفيق حلبي في مهرجان انتخابي عندما عرضت أمامه مسرحية قصيرة حيث قال "مجتمعنا يعج بالمواهب التي يجب أن نرعاها ومش حرام هذه المواهب تذهب بدون رعاية، وانا اتعهد عندما أصل إلى كرسي الرئاسة بإقامة بناية للمسرح" وها قد اوشكت فترته على الانتهاء دون أن نرى بناية للمسرح في دالية الكرمل، وهنا مناسبة لنحيي مسرح النقاب الذي يقوم بالتغطية على النقص في النشاطات الثقافية في كرملنا الغالي.

سبق ذلك المشهد الذي يصور فيه الانسان المقهور الذي فقد ملامحه والتي منها أنفه في إشارة منه بأنه يعاني من النقص في مخزون الكرامة لديه، وقد اخفى وجهه في كيس، وكشف للشرطي اثناء التحقيق ما يجول في نفسه شارحا له الأساليب الرخيصة التي يتوجب على الإنسان أن ينتهجها من أجل تسيير اموره اليومية، لقد جاء هذا المشهد زاخرًا بالكوميديا، وكانت الإيحاءات غزيرة حيث اعتمر الشرطي قلنسوة المتدين اليهودي وتحدث بلكنة عربية ثقيلة في إشارة منه بان الامر يحدث هنا تحديدًا، قام بدور الإنسان المقهور منعم منصور وقام بدور الشرطي الفنان علاء سابا المشهد الذي جرى في المرحاض بالرغم من الزحم الكوميدي الذي تخلله قد يخدش ذوق الكثير من الحضور، كان يمكن الاستغناء عنه وتمرير الرسالة بواسطة الإيحاءات اعتمادًا على ذكاء المشاهد بدلا من المباشرة.

المشهد الذي يعرض جوانب عديدة من واقعنا من خلال الصراحة المطلقة التي تأتي على لسان متعاطي شرب الكحول كان موفقًا من حيث التوجه وكانت الرسالة واضحة ولكن أداء المخرج صالح عزام كان ركيكًا، لم يترنح كما يجب.. لم يتأتئ.. لم يتحدث بلكنة المخمور، لعل جمعه بين الإخراج والتمثيل كان السبب في هذه العرجة؟

المشهد الذي عرض مشاهدة مباراة كرة القدم بين ريال مدريد وبرشلونه كان موفقًا للغاية من حيث الإخراج والتمثيل ولكن يبقى السؤال هل شخصيات العجائز اللواتي قمن بالأدوار من الممكن أن يعرفوا أسماء اللاعبين وأدق التفاصيل؟! لا نريد ان نسهب في استعراض العمل ولكننا نقول بان هذا العمل اجمالًا كان ناجحا للغاية ولعل الضحكات التي كانت تدوي على المدرج كانت بمثابة الدليل الواضح على نجاح العمل وهنا نحني هاماتنا احترامًا لطاقم العاملين والممثلين فقد كان منعم منصور منسجمًا مع دوره غاية الانسجام ولعل كونه كاتبا للنص جعله ينصهر كليا مع الأدوار التي قام بها وهنا أخشى عليه ان يذوب كليا في دوره ولا يعود إلى شخصه وقد حدث هذا مع بعض الممثلين.

ويطرح السؤال: كيف يُجند مسرح "النقاب" هذا الجمهور العريض لحضور أعماله؟ الجواب هو: من الطبيعي ان يتجاوب الجمهور مع العمل عندما يصاغ النص الذي يحاكي مشاعره ويعبر عن تطلعاته بحبكة فنية راقية.

أقول ذلك بعد ان اشتركت في برنامج إذاعي حول قلة الجمهور الذي يذهب إلى المسارح في مجتمعنا العربي، قلت للمخرج الذي اشترك في البرنامج: عليكم تبني نصوص محلية تعبر عن واقعنا.. هواجسنا.. وتطلعاتنا، فكانت حجته: اننا نفتقد إلى النصوص المحلية الراقية مما يدفعنا إلى التفتيش عن نصوص لكتاب عالميين وهنا تكمن المشكلة، الحقيقة هي أن هناك نصوصا محلية غاية في الروعة ولكن يبدو انه فعلًا "لا نبي في وطنه". على المخرجين ان يتواضعوا ويشاركوا الكتاب المحليين بدلا من الذهاب بعيدًا وعندها سنرى المسارح تعج بالحضور كما هو الحال في مسرح "النقاب".

 

 

 

الثلاثاء 12/12/2017

 

مقالات أخرى من نفس القسم

مراجعات نقدية

مسرحية سوق الحكايا وسيكلوجية الطفل

7 مايو 2026 1 دقيقة

لقد أبدع المخرج صالح عزام، في توغله إلى نفسية الصغار، فجند الحركة الملائمة للنص، ليصبح العمل في غاية الروعة.. وأقول ان المسرحية كانت مكثفة ومبسطة في آن واحد، فقد تم تمرير الرسالة بذكاء واضح

مراجعات نقدية

مسرح "النقاب"، هل يخلق حالة مسرحية جديدة؟

7 مايو 2026 1 دقيقة

مسرح "النقاب" مبادرة فنية وثقافية مستقلة نشأت بين دالية الكرمل وعسفيا، تسعى لخلق مسرح ملتزم يعالج قضايا مجتمعية محلية وعربية برؤية حديثة وجرأة فكرية، ويطمح ليكون مؤسسة ثقافية شعبية جامعة.

مقالات

بيت وقاعة لمسرح النقاب في الكرمل

7 مايو 2026 1 دقيقة

في أواخر هذا الصيف سنشاهد على طريق عسفيا- الدالية قبل مدرسة "أورط رونسون" لافتة كبيرة وعليها بالخط العريض العنوان: "مسرح النقاب" بثلاث لغات. أللافتة لن تكون مجرد دعاية لمشروع وهمي إنما دليل على وجود فعلي لبيت للمسرح ولأول مرة في تاريخ الكرمل!