حين تُبنى الحديقة قبل أن تُفتح أبوابها للجمهور
في المسرح، لا تولد الحكاية كاملة فوق الخشبة. قبل أن يدخل الجمهور إلى القاعة، وقبل أن يسمع الأطفال الجملة الأولى من العرض، يكون هناك عالم آخر يعمل بصمت: خشب يُقاس، قطع تُركّب، ألوان تُجرّب، تفاصيل صغيرة تُعاد أكثر من مرة، وعيون تراقب الشكل النهائي قبل أن يصبح جزءًا من السحر المسرحي.
في هذه الصور من كواليس التحضير لمسرحية “إلى حديقة الحيوان”، نرى لحظة مهمة من مراحل إنتاج العرض: مرحلة بناء العالم البصري للمسرحية. فالمسرحية لا تحتاج إلى نص وممثلين فقط، بل تحتاج أيضًا إلى فضاء يفتح خيال الطفل، ويجعله يشعر أنه دخل فعلًا إلى عالم آخر؛ عالم فيه أشجار، أقفاص، ألوان، حيوانات، دهشة، وأسئلة.
يظهر في الصور مؤلف ومخرج المسرحية علاء سابا وهو يتابع عن قرب تفاصيل العمل، وإلى جانبه مصمم الديكور مروان صالح أثناء تنفيذ وتركيب عناصر الديكور. هنا لا يكون الديكور مجرد خلفية جميلة، بل جزءًا من لغة العرض. كل شجرة، كل قفص، كل قطعة خشب، وكل لون، يجب أن يخدم الحكاية، إيقاعها، وروحها.
في مثل هذه اللحظات، يتحول المسرح إلى ورشة حيّة. لا توجد مسافة كبيرة بين الفكرة والتنفيذ؛ المخرج يراقب ويسأل، مصمم الديكور يقيس ويثبّت ويعدّل، والفريق يشارك في بناء التفاصيل التي ستتحول لاحقًا إلى عالم كامل أمام عيون الأطفال. ما يبدو للجمهور بسيطًا وسلسًا أثناء العرض، يمرّ قبل ذلك بساعات من العمل اليدوي، التجريب، التصحيح، والبحث عن الشكل الأدق.
مسرحية “إلى حديقة الحيوان” تنتمي إلى ذلك النوع من العروض التي تحتاج إلى خيال بصري واضح، لأن جمهور الأطفال لا يكتفي بأن يسمع الحكاية؛ هو يريد أن يراها، أن يصدقها، وأن يشعر أنه جزء منها. لذلك تصبح التحضيرات التقنية والفنية جزءًا أساسيًا من التجربة، لا مرحلة ثانوية فيها.
هذه الصور تكشف شيئًا من روح العمل داخل مسرح النقاب: مسرح يبني عروضه خطوة خطوة، ويؤمن أن جودة العرض تبدأ من الكواليس، من اللحظة التي يلتقي فيها النص بالخشب، والفكرة باللون، والحكاية بالأيدي التي تصنعها.
في النهاية، حين تُضاء الخشبة وتبدأ مسرحية “إلى حديقة الحيوان”، لن يرى الجمهور المسامير والقياسات والتعديلات. سيرى فقط عالمًا مسرحيًا جاهزًا للدهشة. لكن خلف هذا العالم، هناك فريق عمل، تعب، تركيز، وخيال جماعي صنع الحديقة قبل أن يزورها الأطفال.